|
لبنان صار نقطة الارتكاز في العلاقات العربية مع سوريا وطريق دمشق باتت تمرّ من بيروت
خرجت معظم الوفود العائدة من دمشق اثر انتهاء أعمال القمة العربية "البتراء"، بانطباع ان الموقف السوري لم يتغير، سواء بالنسبة إلى لبنان أو فلسطين أو العراق، لكنها لفتت الانتباه في المقابل إلى علامات تحوّل واضحة في موقف عدد من الدول العربية الكبرى ازاء السلوك السوري، تمثلت بتخفيض هذه الدول مستوى تمثيلها في القمة وبالتالي في استعداداتها لمواصلة الضغط على النظام السوري بعد القمة.
هذا المشهد الجديد في العلاقات العربية ـ السورية عزاه ديبلوماسيون عرب مقيمون في القاهرة إلى تعنت الجانب السوري ازاء ملف الأزمة في لبنان، مقابل إصرار دول عربية أخرى، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية ومصر، على شرط معالجة ملف "لبنان أولاً" لتصحيح العلاقات مع سوريا.
وإذا كان الرئيس المصري حسني مبارك أعلن ذلك بصورة صريحة، أول من أمس، مع تأكيده ان لبنان نقطة "البداية" في تحسين العلاقات العربية مع سوريا، تماماً كما سبق وأكد أكثر من مسؤول سعودي، فإن الرئيس السوري بشار الأسد ما زال يسعى إلى الالتفاف على هذا الواقع من خلال تذرعه بشعار ان الأزمة لبنانية ـ لبنانية، وهذا ما أكدته مصادر ديبلوماسية شاركت في القمة عندما كشفت لـ"المستقبل" ان الأسد وبعد إثارة بعض رؤساء الوفود موضوع لبنان أثناء الجلسة المغلقة، إتكأ على موقف لنظيره الليبي العقيد معمر القذافي رفض فيه مناقشة موضوع لبنان "طالما انه غائب"، ليعلن من بعده ان "لا مانع لديّ من إقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان، لكن بعد قيام حكومة وحدة وطنية".
هذا الموقف أعطى انطباعاً لعدد من المشاركين العرب في هذه القمة بأن الموقف السوري ما زال كما هو ازاء لبنان، ولم يطرأ عليه أي تعديل، مع استبعاد ظهور أي تعديل في المستقبل القريب أيضاً: "فإذا رفضت القيادة السورية تقديم أي تنازل قبل القمة، فكيف يمكن حصول ذلك بعد القمة، وبعد مقاطعة عدد من الرؤساء والملوك لهذه القمة؟".
لكن هذا الاحتمال كما تقول الأوساط الديبلوماسية هنا، سوف يقود إلى مزيد من الضغط العربي على النظام السوري، رغم محاولات الأخير توسيط بعض الرؤساء العرب في إصلاح العلاقة بينه وبين بعض القادة العرب، كما فعل الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة أول من أمس مع الرئيس مبارك.
وكشفت هذه الأوساط ان اختباراً سبق وحصل في هذا الخصوص، أثناء انعقاد الجلسة المغلقة للقمة، والتي تركزت على موضوع العلاقات العربية ـ العربية، حيث اقترح أحد القادة تشكيل لجنة من الرؤساء مهمتها تنقية العلاقات بين النظام السوري وبين المملكة العربية السعودية ومصر، لكن هذا الاقتراع رُفض، ما عكس إصراراً عربياً على عدم تسليم دمشق أي ورقة قبل إفراجها عن عدد من الأوراق وفي مقدمها لبنان.
وأوضحت الأوساط ان النظام السوري الذي يصرّ حى الآن على عرقلة أي حلّ في لبنان، إنما هو في الواقع يضرب عرض الحائط إجماعاً عربياً تُرجم في المبادرة العربية التي أقرّت في 5 كانون الثاني (يناير) 2008، والتي سجلت سابقة لم تشهدها أي منظمة عربية أو دولية، تمثلت بتسمية مرشح معين لرئاسة الجمهورية بالاسم.
وفي هذا السياق لاحظت الأوساط ان النظام السوري يعزل نفسه بنفسه ليس عن الدول العربية الكبرى وحسب، وإنما أيضاً عن الدول العربية المجاورة له من دون استثناء، بدليل غياب لبنان عن القمة وتخفيض الأردن تمثيله إلى أدنى مستوى، وتخفيض تمثيل العراق الذي لم يتحفظ على البيان الختامي فقط، وإنما كان لرئيس وفده عادل عبدالمهدي مشادة حامية مع نائب الرئيس السوري فاروق الشرع أثناء الجلسة المغلقة.
وختمت الأوساط بالقول: "بعدما كان النظام السوري عبئاً ثقيلاً على لبنان، صار الأخير عبئاً على هذا النظام، لا بل صار كابوساً يقض مضاجعه، مع تحوّل لبنان إلى نقطة ارتكاز في العلاقات العربية مع سوريا".
ذلك ان لبنان صار بنداً دائماً على جدول أعمال العرب، بعد أن كانت طريق بيروت تمرّ من دمشق، تماماً كما صار بنداً دائماً في جدول أعمال جامعة الدول العربية التي ناقشته على امتداد ثلاثة اجتماعات متتالية في 5 كانون الثاني و26 كانون الثاني و5 آذار، لا بل كان السبب الحاسم في غياب نصف القادة العرب عن القمة، ما يعني ان ثمة معادلة عربية جديدة ترتسم في الافق عنوانها ان طريق دمشق تمر من بيروت وليس العكس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق