| |
... لم تسقط بيروت. لم تقاتل أصلاً لتسقط. المدن الكبيرة لا تسقط، بل تنتحر. هكذا فعلتْ صيدا حين حوصرت قبل مئات الأعوام، وهكذا فعلتْ بيروت في اليومين الماضيين: أطلقتْ النار على جسدها.
ومن هو «العدوّ» الذي هاجمها: بعض من أهلها ومن اللبنانيين. لم يحدث في تاريخ مدينة عريقة كبيروت أن سقطت على أيدي أهلها. يحلو هنا تذكر قصيدة نزار قباني الذي قال «أهدينا بيروت مكان الوردة سكّينا».
وما هي بيروت أصلا؟ بيروت عاصمة لبنان، بيروت الفكرة، بيروت الحلم، بيروت الوجع وبيروت الجرح. وسقوط الفكرة يعني سقوط لبنان. لبنان الفكرة قبل لبنان المدن والطرق والشوارع والمصارف.
وحين نقول بيروت اليوم، نقصد الشطر الغربي من هذه المدينة، لأن الشطر الشرقي، ذات الأكثرية المسيحية من السكان، لم تطلق فيه رصاصة واحدة. الصراع يدور في المناطق ذات التداخل السني - الشيعي من حيث السكان. وقد استطاع مسلحو «حزب الله» و«حركة أمل» حسم المعركة في ساعات لأنّه على ما يبدو قد اتُخذ قرار سياسي من «تيار المستقبل» وحزب النائب وليد جنبلاط (التقدمي الاشتراكي) بعدم المواجهة.
المعركة خاسرة، فلماذا الدخول فيها؟ لن يستطيع شبان «المستقبل» أن يقارعوا المقاتلين الذي يتدربون منذ أعوام. لن يستطيعوا هزيمة حزب وحركة تربّى أفرادهما على القتال منذ نعومة أظافرهم.
شوارع بيروت
في شوارع بيروت: مسلحون ملثمون يحملون رشاشات حديثة وجعبهم مليئة بالقنابل. شبان تراوح أعمار أجسادهم، لأننا لا نرى وجوههم، بين العشرين والأربعين، وأحيانا أكثر. مقاتلون حديثو العهد أمضوا الأعوام العشرة الأخيرة يتدربون على السلاح فيما كان شبان آخرون يدرسون في الجامعات في لبنان وفي أوروبا والولايات المتحدة، وغيرهم يعملون في مختلف بقاع العالم ليبنوا بيوتا ويطعمون أهلا.
في الوقت الذي كان جزء من اللبنانيين يحلم بالغد وبالمستقبل ويبني قصورا من أحلام، كان آخرون يتدربون في الداخل والخارج وينتظرون هذه اللحظة ليتمشّوا في فردان والحمرا ويجلسوا على المقاهي بجعبهم وأسلحتهم. هكذا يمكن أن يَهزم رجل مدينة، اي أن يجلس في مقهاها بجعبته الكاملة. هكذا يَزم معارض سلطته، بأن يمشي بسلاحه في شوارعها. هكذا يتحاور المسلح مع المدينة، يدخن وينفث دخان سجائره في وجه براءتها، هكذا يفضّ المسلح عذرية المدينة، «يغتصب» أرصفتها. هكذا تسقط المدن، حين يسقط أبناؤها فريسة غرورهم، ويظنّ كلّ فريق فيها أنّه يحقّ له امتلاكها وإذلالها متى أراد.
شوارع بيروت اليوم متروكة للمسلحين المعارضين، والجيش اللبناني يلعب دور المراقب، يتسلم من «تيار المستقبل» مراكزه التي يخليها الشبان غير المسلحين، وإن وجدت معهم بعض القطع الصغيرة، فهي كانت معدّة لردّ هجمات صغيرة من شارع إلى شارع، وليست كافية لخوض حرب.
في السقوط
تسقط المدن حين تسقط الحدود الأخلاقية بين ابنائها، وليس حين توجَّه البندقية إلى حكامها. هكذا سقطت بيروت في اليومين الماضيين، أو لنقل إنها أعلنت سقوطها، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من السقوط السياسي والاجتماعي والاقتصادي والأمني. بعد أكثر من ثلاثة أعوام اغتيل خلالها النواب والقيادات السياسية وذُبحوا في الشوارع كالخراف، وارتفعت «خطوط تماس» وهمية حينا وحقيقية أحيانا أخرى دارت عيلها مناوشات بدت «تمرينا» للانفجار الكبير الذي بدأ في 7 مايو الجاري..
لم يبدأ السقوط في السابع من مايو، بل انتهى في هذا التاريخ. بدأ السقوط حين بنيت الجدران في السياسة، حين سقطت الحدود، وصار كلّ زعيم وكلّ نائب يشتم الزعيم الأخر والنائب الآخر. بدأ السقوط حين سقطت اللغة وتحولت شتائم، وحين سقطت الأقنعة وأظهر كلّ طرف وجهه الحقيقي، وحين صار كلّ شيء مباحا في السياسة والأمن والكلام والإعلام والنكات والتحالفات والتدريبات.
التهجير والمنطق الجديد
قبل عام من اليوم، كتب كاتب هذه السطور تحقيقا عن الهجرة الشيعية من بيروت وتحديداً من الطريق الجديدة إلى الضاحية الجنوبية (معقل «حزب الله») ، وعن الهجرة السنية من بعض العائلات التي كانت تسكن في الضاحية.
اليوم يمكن الكتابة عن هجرة من نوع آخر. هجرة لم يسبق أن حصل مثلها في تاريخ بيروت أو لبنان أو مدينة عربية أو أجنبية. إنها هجرة، أو قل تهجير بالقوة، لأهالي الطريق الجديدة والحمرا ورأس النبع ووطى المصيطبة إلى أماكن أخرى في بيروت الشرقية (المسيحية) أو في الجبل (الدرزي).
في الحرب الأهلية نزح كلّ من يسكن منطقة ذات أكثرية طائفية مختلفة إلى منطقة تتناغم مع انتمائه الطائفي أو الحزبي، وفي حرب يوليو 2006 وغيرها من الحروب الإسرائيلية على لبنان، كان مناصرو «حزب الله» ذات الأكثرية الشيعية يهربون إلى مناطق سنية ومسيحية الطابع للاحتماء، لكن لم يحصل أن تهجّرت عائلات من المناطق التي تتناغم مع انتماءاتها الطائفية والحزبية إلى مناطق أخرى.
هذه واحدة من صور المنطق الجديد في بيروت ولبنان، ومن صور المنطق هذا أيضا إقفال وسائل الإعلام، والحسم بقوة السلاح بعدما كان الحديث يدور دائما حول التوافق. كذلك من صور هذا المنطق أنّ بإمكان الحزب القوي أن يحاصر زعماء الأحزاب الأخرى في منازلهم، كما حاصر مسلحو «حزب الله» و«حركة أمل» بيت رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط، وكما تحاصَر السرايا الحكومية منذ الاول من ديسمبر 2006.
مَن يطوف في المدينة؟
هذه السطور كتبت في أحد فنادق بيروت، حيث يحتمي الكاتب من المسلحين الذين يطوفون خارج الفندق. أصوات الصواريخ والقنابل والرصاص تسمع بوضوح، آتية من شوارع قريبة.
في صالون الفندق عدد كبير من النزلاء يتحلقون حول تلفزيون صغير ويتابعون أخبار محاصرة قريطم، حيث يسكن النائب سعد الحريري، ويستمعون إلى تحليلات النواب والمحللين على الفضائيات العربية والمحلية.
الجلسة تشبه كثيرا تلك التي كانت تنعقد أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان قبل عامين، وليس فقط إقفال المطار والمرفأ وإخلاء الشوارع هو ما يشبه الحرب الإسرائيلية.
اللبنانيون يعيشون في هذه الأثناء لحظات مشابهة لما عاشوه صيف العام 2006. ثمة عدوان يطوف في المدينة. الموضوعية تقتضي الإشارة إلى وجهتي النظر في ما يجري، الأولى لحزب الله وتقول إن الحكومة أعلنت الحرب حين اتخذت قرار ملاحقة شبكة اتصالات الحزب وإقالة رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير، والأكثرية النيابية تقول إن الحرب بدأت حين تلطّت المعارضة بالمطالب العمالية للانقلاب والسيطرة على السلطة وعلى بيروت ولبنان.
ثمة عدوان يطوف في المدينة، لكنّ الأكيد أن قراريْ الحكومة لا يطوفان في المدينة، وليسا مسلّحين بأي حال من الأحوال.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق