"تحولت قمة دمشق فعليا قمة الغضب العربي على سياسات نظام الرئيس بشار الاسد، وهي تشكل منعطفا مهما في مسار العلاقات العربية – السورية، اذ انها الحقت ثلاث هزائم ونكسات بهذا النظام.
فاولا، اظهر القادة والمسؤولون العرب عموما، وباساليب مختلفة منها المقاطعة على اعلى مستوى، تضامنهم الجدي مع لبنان المستقل ومع القوى الاستقلالية فيه، واكدوا تصميمهم على مساعدته وانقاذه من محنته خلافا لما تريده دمشق، وهم رفضوا تبني الرواية السورية لما يجري في لبنان والمفهوم السوري للعلاقات مع هذا البلد كما رفضوا التفسير السوري الخاطئ للمبادرة العربية الذي يعرقل فعليا تسوية الازمة اللبنانية وانتخاب رئيس للجمهورية والذي يتناقض مع التفسير العربي الصحيح لهذه المبادرة.
ثانياً، احبطت دولة عربية بارزة خطة اعدها الاسد، بالتفاهم مع القيادة الايرانية، وتقضي بجعل قمة دمشق تتحول قمة "التفاهمات" العربية – الايرانية حول قضايا المنطقة والبرنامج النووي الايراني.
ثالثاً، تصرف الزعماء والمسؤولون العرب، بغالبيتهم العظمى، على اساس انهم غير مهتمين بارضاء نظام الاسد سواء في ما يتعلق بوضعه ومصيره او بموقفه من القضايا العربية والاقليمية والدولية... وهذا ما لم يواجهه اي زعيم استضاف قمة عربية من قبل".
هذا ما كشفته لنا مصادر سياسية عربية رفيعة المستوى ووثيقة الاطلاع على ما جرى في قمة دمشق واكدت ان خطة الاسد كانت تقضي فعلا بدعوة الرئيس محمود احمدي نجاد الى دمشق من اجل تأمين عقد لقاءات على هامش القمة العربية بينه وبين عدد من الزعماء العرب وعلى رأسهم الملك عبدالله بن عبد العزيز والرئيس حسني مبارك وبرعاية الرئيس السوري نفسه، وذلك لمحاولة التوصل الى "صفقة" او الى مجموعة تفاهمات حول قضايا المنطقة الاساسية وابرزها فلسطين ولبنان والعــــراق والبرنامج النووي الايراني تحقق مكاسب للمحور السوري – الايراني. واوضحت المصادر ان دولا عربية بارزة احبطت خطـــــة الاســـد هذه ورفضت ان تؤمن قمة دمشق تغطية عربية للمساعي التي تقوم بها ايران من اجل توسيع نطاق نفوذها ومحاولة فرض هيمنتها على المنطقة بالتعاون مع القوى المتشددة وبما يهدد الامن القومي العربي ويتعارض مع المصالح الحيوية العربية.
واشارت المصادر الى ان قادة عربا بارزين على اقتناع بان الاسد ليس قادرا على القيام بدور "الوسيط النزيه" بين العرب وايران، اذ انه اصبح جزءا من المعادلة الايرانية الخطرة في المنطقة، كما ان الحوار المباشر الذي تجريه دول عربية بارزة مع القيادة الايرانية منذ فترة لم يحقق اي نتائج ملموسة كما لم يساهم في تسوية الازمات الاقليمية الاساسية، ولم يضع حدا لخطط ايران المختلفة على امتداد الساحة العربية.
لاءات الاسد الثلاث
وكشف لنا مسؤول عربي كبير شارك في اجتماعات قمة دمشق والتقى مسؤولين سوريين وعربا، ان الاسد يريد التمسك في المرحلة المقبلة وفي تعاطيه مع الازمة اللبنانية بثلاث لاءات هي: "لا سلام، ولا مصالحة، ولا حل". وهذا يعني ان المواجهة العربية والدولية مستمرة مع النظام السوري.
وشدد المسؤول العربي في هذا المجال على الامور الاساسية الآتية التي تعكس حقيقة تفكير الاسد وتوجهاته في ما يتعلق بلبنان.
اولاً، خلافا للمواقف السورية المعلنة فان نظام الاسد ليس راغبا اطلاقا في التوصل الى حل عربي للازمة اللبنانية، سواء على اساس المبادرة العربية الحالية او اي مبادرة اخرى، لان مثل هذا الحل يقضي بتطبيق قرارات الشرعية العربية وقرارات مجلس الامن التي تؤكد التزام دعم استقلال لبنان وسيادته والمحكمة الدولية وتدعو السوريين الى تقبل هذا الواقع والاعتراف بلبنان المستقل فعليا من خلال تبادل التمثيل الديبلوماسي وترسيم الحدود معه، وترفض استخدام هذا البلد كساحة مواجهة مفتوحة من اجل خدمة المصالح السورية والايرانية. وهذا كله يفترض التخلي عن مشاريع الهيمنة السورية على لبنان، والتحكم بمصيره، بل ان ما يريده نظام الاسد هو حل سوري للازمة اللبنانية تدعمه وتؤمن التغطية اللازمة له الدول العربية والاجنبية المعنية بمصير هذا البلد. ويرى الاسد ان الحل السوري وحده هو الذي يضمن مصالح نظامه ويحقق اهدافه ويؤمن له مكاسب حقيقية ويحميه من الاخطار والتهديدات المختلفة.
وهذه عقدة العقد.
ثانياً، نظام الاسد ليس مهتما اطلاقا بانقاذ لبنان، ولذلك يعتمد سياسة التعطيل واحباط سائر المبادرات وتعزيز الانقسام الدخلي كما يفعل ايضا في فلسطين، وهو يعمل مع حلفائه على اضعاف هذا البلد اكثر فاكثر وعلى ضرب وحدته الوطنية لمحاولة تأمين السيطرة عليه وعلى قراراته مجددا. ويراهن نظام الاسد على ان "التصميم السوري" على اسقاط لبنان سيكون اقوى من "التصميم العربي – الدولي" على انقاذه، وهو يعتمد في رهانه هذا على امتلاك حلفاء دمشق، وعلى رأسهم "حزب الله"، امكانات تسلحية ضخمة وقدرة حقيقية على الاذى وتفجير الاوضاع. والنظام السوري لن يتردد في استخدام مختلف "الاسلحة والاوراق ووسائل الضغط" التي يملكها بما يشمل احتمال تفجير حرب لبنانية – اسرائيلية جديدة بواسطة "حزب الله"، لمحاولة الحاق الهزيمة بالقوى الاستقلالية وارغام اللبنانيين على الاستسلام له، وخصوصا ان حلفاءه "هم مجرد ادوات في ايديه وليست لديهم اي استقلالية في اتخاذ القرارات وتحديد المواقف والسياسات خلافا لما يحاولون الايحاء به"، على ما يقول المسؤول العربي. لكن حسابات الاسد هذه خاطئة تماما وتتعارض مع التصميم العربي – الدولي – اللبناني الواسع على مواجهة خطط دمشق واحباطها.
ثالثاً، نظام الاسد مصمم على احباط اي عملية مصالحة او تصحيح للعلاقات بين لبنان وسوريا تتم برعاية عربية كما تطالب حكومة فؤاد السنيورة بعد يأسها من التوصل الى حل ثنائي للمشاكل العالقة بين البلدين، والسبب الحقيقي لهذا الموقف السلبي ان نظام الاسد يريد التعاطي مع لبنان على اساس انه "قضية سورية داخلية" وهو يرفض بالتالي اي اشراف عربي على مسار العلاقات بين هذين البلدين لان ذلك سيثير مناقشة صريحة حول التدخلات السلبية المدمرة السورية في الشؤون اللبنانية، وسيدفع المسؤولين اللبنانيين الى تقديم الادلة والاثباتات الموثقة عن الدور السوري الخطر في هذ البلد، وسيسلط الاضواء على ضرورة ايجاد "حل عربي غير سوري" للمشاكل بين البلدين وعلى ضرورة تبادل التمثيل الديبلوماسي وترسيم الحدود بينهما ووقف تهريب الاسلحة الى حلفاء دمشق مما يشكل تهديدا كبيرا للوضع الداخلي اللبناني.
مع الحل العسكري – الامني
رابعاً، نظام الاسد، وخلافا لما يقوله علنا، يرفض اي مصالحة مع الدول العربية البارزة والمؤثرة اذا كانت ستؤول الى حل الازمة في لبنان بما يعزز استقلال هذا البلد وسيادته ووحدته الوطنية ويحقق مشاركة عادلة ومتوازنة حقيقية في السلطة بين مختلف الافرقاء اللبنانيين بعيدا من محاولة دمشق وحلفائها الهيمنة على الحكم. وهناك ثلاثة عوامل تدفع النظام السوري الى اتخاذ هذا الموقف هي: ان نظام الاسد، اولا، حريص على علاقاته الوثيقة مع ايران اكثر من حرصه على علاقاته مع مصر والسعودية ودول عربية اخرى، لانه مؤمن بالمشروع الايراني لتغيير موازين القوى في المنطقة لمصلحة محور دمشق – طهران، ولانه على اقتناع بان هذا المشروع يحقق له مصالحه واهدافه اكثر مما يحققها له التقارب مع الدول العربية المعتدلة البارزة. ونظام الاسد، ثانيا، يرى ان المجموعة العربية تعمل على اضعاف دوره اللبناني والاقليمي من خلال دفعه الى اتخاذ قرار تاريخي ولكن طبيعي بالاعتراف فعليا ورسميا بلبنان المستقل السيد والتوقف عن التدخل السلبي في شؤونه، بينما تدعم القيادة الايرانية مساعيه للهيمنة على الساحة اللبنانية مجددا، وتحويلها ساحة مواجهة مفتوحة مع خصوم المحور السوري – الايراني.
والعامل الثالث هو ان الدول العربية المؤثرة ترفض مساعدة نظام الاسد على الافلات من المحكمة الدولية المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائــــــم سياسية اخرى، بينما يمنحه تحالفه مع النظام الايراني، وفقا لتصوره وحساباته، قدرة على وضع عقبات امام عمل المحكمة الدولية او محاولة تعطيلها من خلال زعزعة الاوضاع في لبنان امنيا وسياسيا او تمكين حلفاء دمشق من السيطرة على السلطة فيه بوسائـــل مختلفة منها العنف والقوة المسلحة.
خامسا، ان نظام الاسد ليس مؤمنا بالحل السلمي للازمة اللبنانية، خلافا لما يردده، بل انه مؤمن فعليا بالحل القسري اي بالحل العسكري – الامني لهذه الازمة. وذلك ان الحل السلمي يؤدي الى التوافق بين الغالبية والمعارضة في لبنان حول مختلف النقاط العالقة والتوصل الى صيغة عادلة ومتوازنة لمعالجة المشاكل القائمة على اساس صيغة "لا غالب ولا مغلوب" وهذا يفترض ان يشمل الانتخاب السريع وغير المشروط لرئيس الجمهورية التوافقي، والتفاهم على تركيبة السلطة الجديدة وسبل تعزيز دور الدولة ومؤسساتها وطريقة معالجة مشكلة سلاح "حزب الله" والتعاطي مع اسرائيل واخطارها وتحدياتها المختلفة وعدم ترك قرار الحرب والسلم في ايدي حلفاء دمشق وحدهم. وحدوث ذلك كله يعزز الوحدة الوطنية والسلم الاهلي ودور لبنان المستقل السيد ويقلص من قدرة النظام السوري على التدخل سلبا في شؤون هذا البلد والتأثير على مسار الاحداث فيه.
اما الحل العسكري – الامني الذي يفضله السوريون فانه، من وجهة نظر نظام الاسد، فهو وحده الذي يلحق الهزيمة بالقوى الاستقلالية و"يعاقبها" على تمردها على سلطة دمشق ويجعل اللبنانيين يدركون ان هناك خيارا واحدا فقط متاحا لهم هو خيار الالتصاق مجددا بسوريا وطلب "حمايتها ورعايتها"، وهذا ما يجب ان يدفعهم الى قبول العيش في دولة ذات سيادة محدودة ومرتبطة فعليا بنظام الاسد وتوجهاته وسياساته وخططه.
والوصول الى مرحلة تطبيق هذا الحل العسكري – الامني يتطلب احباط كل المبادرات العربية والدولية الهادفة الى تسوية الازمة اللبنانية سلميا.
واكد المسؤول العربي الكبير ان نظام الاسد سيتحرك في مرحلة ما بعد قمة دمشق على اساس اقتناعاته وتصوراته ومستندا الى حسابات خاطئة كليا. وحذر المسؤول العربي من ان رهانات نظام الاسد هذه ستضعه في حال مواجهة طويلة وصعبة ليس فقط مع الدول العربية البارزة والمؤثرة بل ايضا مع الدول الغربية والجهات الدولية المعنية بمصير لبنان والتي تدرك حجم الخطر الكبير الذي تشكله على مستقبل المنطقة وامنها واستقرارها وموازين القوى فيها سيطرة سوريا وحلفائها على الساحة اللبنانية. وهذا ما سيدفع الدول المعنية بمصير لبنان الى اتخاذ سلسلة اجراءات وخطوات ضد نظام الاسد، بعضها في اطار من السرية لاحباط خططه الخطرة هذه.
عبدالكريم ابوالنصر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق