الثلاثاء، أبريل 08، 2008

أزمة "المركز السياسي" في دمشق

 بري يبحث الأزمة اللبنانية مع أسد في دمشق

المواقف المتعارضة للأقلية تعكس ارتباكها وتفكّكها من ناحية ومشكلة علاقتها بجمهورها من ناحية ثانية

في غضون الأيام القليلة التي أعقبت إنتهاء قمة دمشق، أطلقت قوى الأقلية مجموعة من المواقف المتناقضة.
الجنرال ميشال عون كرّر الشروط السابقة المعروفة تحت عنوان "السلّة" وأعلن لا جدوى أي مسعى جديد لحلّ الأزمة في لبنان ما لم تسلّم الأكثرية بهذه الشروط.
النائب السابق سليمان فرنجية "إقترح" مقايضة انتخاب الرئيس بإقرار اعتماد قانون 1960 للانتخابات النيابية.. بعد أن شنّ حملةً في كل الاتجاهات شملت المرشّح التوافقي للرئاسة العماد ميشال سليمان.
"حزب الله" من جهته، تحدّث عن "الشراكة" في حكومة وحدة وطنية، معتبراً أن بتّها وفق ما سبق له أن طرح هو المدخل إلى إنتخاب الرئيس.
أما الرئيس نبيه بري، فاهتم في الأيام الأخيرة بما سمّاه "رصد" ردود الفعل على "مبادرته" من دون أن يوضحها متعمداً تركها في دائرة "الإبهام"، لكن من غير أن ينسى نواب كتلته التذكير بحكومة "الثلاث عشرات".

الإرتباك والتفكك وتعثّر "توحيد الصفوف"

هذه المواقف أو الأولويات المتناقضة، تعني أموراً كثيرة.
تعني أولاً أن ليس ثمة مفوّض واحد باسم "المعارضة"، وأن التفويض مسحوبٌ من عون على ما يبدو.
وتعني ثانياً أن ثمة إرتباكاً في بلورة "ترجمة" واحدة للموقف الرافض للمبادرة العربية (بمفهومها الأصلي) والساعي إلى تعطيلها، بدليل أن بعض ما طُرح لا علاقة له أصلاً ببنود المبادرة نفسها.
وتعني ثالثاً أن أطراف الأقلية وقد تلقّوا جميعاً "كلمة سرّ" بأن احرصوا على إظهار أن الأزمة لبنانية ـ لبنانية وليست لبنانية ـ سورية، "إجتهدوا" كل على طريقته فجاءت المواقف "من كل واد عصا".
وتعني رابعاً، أن ثمة تعثراً في ما سمّي "توحيد صفوف" الأقلية سياسياً و"تنظيمياً"، واصطدم "توحيد الصفوف" بمشكلات داخل أطراف بعينها وأخرى بين هذه الأطراف.
والمعنى الخامس الذي يختصر إلى حدّ كبير المعاني السابقة، هو أن ثمة تفكّكاً في الأقلية وأنها في موقع دفاعي، على اعتبار أن وحدة الموقف غالباً ما تترافق مع وجود فريق سياسي في المبادرة أو "الهجوم".

خلافٌ عربي ـ سوري لا خلافات عربية ـ عربية

على أن إستخلاص المعاني من الإطلالات المتناقضة لقوى الأقلية مما يسمى "المعارضة"، لا يكفي وحده إذ يقتضي الأمر البحث في الأسباب، أي في أسباب ذلك التفكّك وذاك الإرتباك.
وفي هذا المجال، لا مفرّ من مقاربة الأسباب انطلاقاً من "المركز السياسي" للأقلية في دمشق.
صار معروفاً أن مساعي عديدة بُذلت لـ"التوسّط" بين النظام السوري من جهة والمملكة العربية السعودية ومصر على وجه الخصوص من جهة ثانية. وصار معروفاً أيضاً أن هذه المساعي لم تسفر عن أي نتيجة في ظل تأكيد الدول العربية الرئيسية أن "الخلاف" العربي ـ السوري ناجمٌ عن أدوار النظام في سوريا في أزمات المنطقة، لا سيما دوره في أزمة لبنان، وتأكيدها أن الحلّ في لبنان يشكّل المدخل إلى حلّ الخلاف العربي ـ السوري.
بكلامٍ آخر، لا تعتبر الدول العربية الرئيسية أن هناك خلافات عربية ـ عربية "طائرة في الهواء"، بل تعتبر أن هناك إنقلاباً سورياً على نظام المصلحة العربية إنطلاقاً من خلافه مع الشرعيات الوطنية في عدد من الدول العربية، في لبنان وفلسطين والعراق، وفي لبنان بالأولوية. ولذلك فهي لا ترى ـ منهجياً وسياسياً ـ أن ثمة شيئاً إسمه تنقية الأجواء العربية أو حل الخلافات العربية ـ العربية، قائماً بذاته، لأن الخلاف العربي ـ السوري حاصلٌ بسبب "ملفّات" محدّدة.


النظام السوري: عزلة وضغوط

في هذا الإطار، من الواضح ليس فقط أن مساعي التوسّط بين دمشق والرياض والقاهرة لم تنجح، وليس فقط أن الرئاسة السورية للقمة هي رئاسة على أقل من نصف قمّة، بل إن النظام السوري يواجه عزلةً عربية تأكدت في القمة ثم بعدها، وأنه يواجه ضغطاً عربياً للإنسحاب من الأزمة في لبنان بما يجعل الحلّ ممكناً في هذا البلد.
والحال ان التعريف العربي للأزمة في لبنان على أنها الأزمة الناجمة عن التدخّل السوري التعطيلي والتخريبي في شؤون لبنان، يعني المزيد من عزلة النظام السوري عربياً والمزيد من الضغوط العربية عليه، خصوصاً بعد أن أوضحت الأيام الماضية أن الرئاسة "الرسمية" للقمة يمكن أن تكون في "مكان"، لكن الرئاسة "الفعلية" في مكان آخر، أي أن الشرعية العربية ليست في العاصمة السورية.
على هذا الأساس، لا يمكن تفسير إرتباك الأقلية في لبنان وتفكّكها إلاّ بالصلة مع أزمة مركزها السياسي ـ أي النظام السوري ـ بما هي أزمة عزلة عربية متمادية، حيث يتزامن ذلك مع صراعات داخل النظام بين "مراكز القوى" فيه.

الأسباب الداخلية

غير أن هذا التفسير الأساسي لا يعني أن ليس ثمة أسباب "داخلية" للارتباك والتفكك.
فبعد أن صارت الأزمة في لبنان معرّفة لبنانياً (من جانب الأكثرية السياسية ـ الشعبية) وعربياً ودولياً على أنها "أزمة التدخّل السوري في لبنان"، لم يعُد في وسع الأقلية الاستمرار في ادعاء أن أصل الأزمة هو قانون الانتخاب مثلاً أو حتى "الشراكة" لأن لا مشكلة شراكة ولا مشكلة قانون انتخاب، ولأن كل مبادرات الحل التي أسقطتها الأقلية كانت تحفظ "الشراكة" وتعالج قانون الانتخاب.
وبعد أن صار معروفاً ـ بالوقائع ـ أن إسترهان لبنان سورياً ـ وإيرانياً ـ إنما يحصل للاعتبارات الإقليمية للجانبين، صار السؤال يكبُر في لبنان، بما في ذلك داخل جمهور أفرقاء في الأقلية، عن مبرّر تدفيع لبنان هذه الأكلاف الباهظة. وصار السؤال يكبُر في الجنوب اللبناني أكثر من غيره من المناطق اللبنانية. وأحد الأدلّة الأخيرة على أن لبنان يُسترهن لحسابات إقليمية، هو محاولة النظام السوري فرض عنوان الخلافات العربية ـ العربية على البحث العربي من أجل التفاوض "على" الأزمة في لبنان، في حين أن إنسحابه من أزمة لبنان مسبقاً لا يجعل لهكذا تفاوض مطرحاً. وكذلك، فمن الأدلة الأخيرة انّ النظام السوري وردّاً على إحتمالات إنفجار إقليمي، يحشد على الحدود مع لبنان بدلاً من أن يحشد في الجولان مثلاً.

الأسئلة تكبر

وكذلك بعد أن صارت الأثمان الكبرى لهذا الإسترهان تقترب، سواء على صعيد وضع مؤسسات البلد أو بالنسبة إلى الحالة الاقتصادية ـ الاجتماعية، صار السؤال يكبُر أيضاً، داخل جمهور فرقاء في الأقلية، عن مبرّر الدفع باتجاه التأزيم والمزيد من التأزيم بما له من تداعيات كارثية على حياة الناس.
إذاً، إن لارتباك الأقلية وتفكّكها صلةً بالأزمة في مركزها السياسي السوري من جهة وبعلاقة الأقلية بجمهورها الذي يزداد تساؤلاً من جهة ثانية. وذلك في مرحلة يصدّق الناس الأكثرية أكثر من أي يوم مضى، إذ يلمسون ما قدّمته من مساهمات في سبيل التسوية وما أعطته من فرص للتوصّل الى تلك التسوية، وما تدعو إليه من أجل إنقاذ لبنان واللبنانيين.

ليست هناك تعليقات: