| |
يلمس زوّار القاهرة في هذه الأيام جديدين: حملات اعلامية حادة ضد النظام السوري، وخطاباً رسمياً صريحاً وغير مسبوق ضد هذا النظام. وإذا كانت خلفية هذا الموقف البديهية يأس الإدارة المصرية من تفاعل القيادة السورية مع ملف فلسطين أو العراق، فإن تعاملها الأخير في ملف لبنان هو القشة التي قسمت ظهر البعير أو كما يقال باللهجة المصرية، هو الذي دفع الرئاسة المصرية إلى حالة "الضيق" إزاء هذا الوضع، والإعلان أمام الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة أن لبنان هو "نقطة البداية" في تحسين العلاقة المصرية ـ السورية.
ويكشف مصدر مصري رسمي واسع الاطلاع ان الرئيس حسني مبارك لم يكتفِ بهذا القدر الذي أعلنه الناطق الرسمي سليمان عواد بعد اللقاء، وإنما ذهب أبعد من ذلك خلال اللقاء مع ضيفه الجزائري حين أبلغه أنه يعتبر ان "الدور السوري معطل في لبنان، وأن مصر ليست سعيدة بهذا الدور ولا بالتعاون القائم بين سوريا وإيران".
وإذ يوضح المصدر أن بوتفليقة لم يقُم أساساً بزيارة للقاهرة من أجل بحث العلاقة المصرية ـ السورية، وإنما من أجل مناقشة قضايا ثنائية بين البلدين تُوّجت بتساؤل عما اذا كان "في الامكان" البحث في هذا الموضوع، لفت إلى أن تأكيد الرئيس المصري أن لبنان نقطة البداية في اصلاح هذه العلاقة "ليس تفصيلاً"، وإنما يعكس اهتماماً مصرياً متزايداً بموضوع لبنان الذي صار أولوية عربية عموماً ومصرية خصوصاً، إلى درجة أنه سبق فلسطين في بعض الأوقات في ترتيب الأولويات رغم ما تمثله فلسطين من مكانة خاصة ومميزة خصوصاً في مصر.
وأبدى المصدر الذي عاد لتوّه من دمشق حيث شارك في أعمال القمة العربية، أسفه إزاء فشل هذه القمة في معالجة ملف لبنان. وتوقّع أن تواصل القيادة السورية مسيرة تعطيل الحل في لبنان بعد القمة، موضحاً ان لدى هذه القيادة تقليداً يقوم على "التعنّت والتمسك بالموقف حتى آخر لحظة، مع الرهان على أن يتراجع الأطراف الآخرون عن مواقفهم". لكنه أضاف: "ان مصر أرادت من خلال تخفيض تمثيلها في القمة ومن خلال المواقف المتكررة للرئيس مبارك دعماً للبنان، التأكيد ان هذا التقليد لم يعد ينفع، وأن القاهرة لن تتراجع عن دعمها للبنان وهي باقية على موقفها الراهن اذا استمرت القيادة السورية في دورها التعطيلي".
ومن دون ان يوضح المصدر ما هي الخطوات المقبلة التي يمكن اللجوء إليها في حال استمرار الموقف السوري، دعا الأكثرية في لبنان لأن تؤهّل نفسها للصمود لفترة من الزمن "ما دام الجانب السوري ليس في وارد الحلحلة في المدى المنظور"، كما أضاف أن "على الدول العربية الداعمة لموقف الأكثرية أيضاً أن تصمد وأن تتعامل مع المرحلة المقبلة على قاعدة ان لا حلّ قريباً في لبنان".
وتوقّف المصدر أمام معطى سجّل خلال الجلسة المغلقة للقمّة العربية ولم يكشف النقاب عنه، ليشير إلى الرغبة السورية في استمرار العرقلة، وقال ان الرئيس السوري بشار الأسد ولدى إثارة الجانب الكويتي لموضوع لبنان وضرورة تحسين العلاقة بينه وبين سوريا، سارع إلى القول: "في عهد الرئيس اميل لحود أبدينا انفتاحاً كبيراً إزاء تبادل السفارات بين البلدين، أما اليوم فكيف يمكن بحث العلاقات اللبنانية ـ السورية في غياب رئيس للجمهورية وحكومة وحدة وطنية. نحن منفتحون على بحث هذه العلاقات ونريد تصحيحها، لكن مع من يمكن مناقشتها، نحن جاهزون لفتح هذا الملف بعد انتخاب رئيس وتشكيل حكومة وحدة وطنية". وأقفل النقاش حول هذا الموضوع معطياً الكلام إلى أحد رؤساء الوفود.
وعلّق المصدر على هذا الموقف بالاستعانة بمثَل مصري "وضعَ العقدة في المنشار"، بمعنى ان الرئيس السوري أقفل الباب أمام مناقشة هذا الملف بعد دعوة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة إلى عقد اجتماع وزاري عربي لهذه الغاية، وقبل احتمال عقد اجتماع فعلاً في هذا الخصوص لعرقلة هذا الاتجاه منذ بداية الطريق.
واستند المصدر إلى هذه الواقعة ليتساءل: اذا كانت هذه القمة لم تنجح في معالجة أهم ملف عربي ساخن الآن، وهو ملف لبنان، فكيف يمكن القول انها نجحت؟، أضاف: هي نجحت بالمقياس السوري لجهة أنها انعقدت أولاً، ثم لم تشهد تجاذبات أو خلافات من جهة ثانية، لكن هذه القمة ماذا حقّقت، وما هو الملف الذي عالجته أو بدأت بمعالجته؟.
وعن سبب التحوّل في الخطاب المصري في الآونة الأخيرة من خلال مقاربته الصريحة للموقف من سوريا، قال المصدر: "بالترتيب الزمني، الواقعة الأولى التي دفعت في هذا الاتجاه تتمثل بالتظاهرات التي نظمت بالتزامن والتطابق أمام السفارتين المصريتين في كل من دمشق وطهران مطلع آذار الفائت، والكلّ يعلم من يقف وراء هذه التظاهرات ومن ينظمها، مع العلم ان هذا أسلوب قديم عفا عليه الزمن ولم يعد ينطلي على أحد ولا يمكن السكوت عنه". ويتوقف المصدر أمام عامل ثان ومؤثر وهو علاقة ما يجري في غزة بالتنسيق القائم بين القيادة السورية وبعض الفصائل الفلسطينية.
لكنه يختم بالقول "ان السبب الأساسي والمباشر يبقى لبنان وما يجري فيه من محاولات وعوائق واضحة للعيان، لكن هذا مرفوض ولا يمكن التعامل معه باستسهال".
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق