السبت، أبريل 05، 2008

أيام "الفرصة الأخيرة" للنظام السوري وجماعته

مباشرةً بعد القمة في دمشق، حصلت في الأيام الماضية تحرّكات عربية لافتة. الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة زار القاهرة والتقى الرئيس المصري حسني مبارك في مسعى لـ"التوسّط" بين النظام السوري والقيادة المصرية، لكنه سمع كلاماً قاسياً عن الأدوار التخريبية لهذا النظام، في لبنان خاصة. وبحسب ما أعلن في الكويت، يزور أميرها الشيخ صباح الأحمد الرياض اليوم في مسعى مماثل مع المملكة العربية السعودية التي سبقت الدول العربية الرئيسية كلها الى تحذير نظام الأسد من مواصلة سياسة تقويض لبنان والانقلاب على نظام المصلحة العربية. وكذلك أوفد رئيس دولة الإمارات العربية مبعوثاً خاصاً الى الرئيس المصري لتأكيد الاتفاق بين الجانبين حول حلّ الأزمة في لبنان.
تزامناً، انعقدت قمة ثلاثية مصغّرة بين الرئيس مبارك والملك الأردني عبدالله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس. وبعدَها أعلن الوزير أحمد أبو الغيط أن ثمة قمماً مصغّرة في أفق التحرّك العربي.

الرئاسة العربية ليست في دمشق

ماذا يعني كل ذلك؟
المعنى الأول هو أن رئاسة القمة، بدلاً من أن تكون هي في موقع المبادرة الى معالجة الخلافات العربية، ليست فقط سبب هذه الخلافات لكنها أيضاً بحاجة الى من يتوسّط لها.
والمعنى الثاني هو أن رئاسة القمة، بسبب ذلك، ليست في دمشق، وأن الرئاسة الفعلية في مكان آخر على الخط السعودي ـ المصري.
والمعنى الثالث هو أن قسماً كبيراً من الدول العربية التي شاركت في قمة دمشق برؤسائها أو بمستوى قيادي عال، لا يمكن احتسابها دولاً "راضية" عن النظام في سوريا أو منحازة له "في وجه" الدول التي اكتفت بحضور القمة على مستوى رمزي أو "في وجه" لبنان الذي قاطع القمة. فالقسم الأكبر من الدول العربية "المشاركة" يلعب في "أسوأ الأحوال" دوراً وسطياً وسيطاً.
التوازن العربي العازل للنظام السوري
أما المعنى الرابع فهو نتيجةٌ لكل المعاني السابقة: إن توازن القوى العربي لا يزال توازناً راجحاً باتجاه الدول العربية الرئيسية التي تشكّل ركيزة النظام العربي، وهو توازنٌ عازل للنظام السوري. وسيكون على المحلّلين التدقيق ملياً في المصطلحات الرائجة عن "انقسام عربي" تارةً، أو عن خلافات عربية ـ عربية تارة أخرى، على اعتبار أنه من المنطقيّ أكثر القول إنّ ثمة نظاماً عربياً وأن ثمة خروجاً سورياً من النظام العربي وعليه على الرغم من المفارقة المتمثّلة في ترؤس النظام السوريّ للقمة.
جولة السنيورة.. والفرصة لسوريا
في إطار توازن القوى هذا، يقوم رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة بجولة عربية "شاملة" في الأيام المقبلة. والعنوان الأبرز لهذه الجولة هو، الى جانب شرح الدور السوري في الأزمة التي يشهدُها لبنان، دعوة القادة العرب الى رعاية "بحث" عربي في العلاقات اللبنانية ـ السورية بهدف إعادة تأسيسها على قواعد صحيحة. وقد حدّد الرئيس السنيورة هذه القواعد في كلمته الأسبوع الماضي. وفي هذه الكلمة التي اعتُبرت على نطاق واسع بمثابة وثيقة تاريخية، أسند السنيورة قواعد العلاقات اللبنانية ـ السورية الى مرجعيات ـ مراجع ـ لبنانية إجماعية، الى اتفاق الطائف وإلى مقررات الحوار الوطني في العام 2006.
وواقع الأمر أن رئيس الحكومة، بدعوته الى اجتماع عربي على مستوى وزراء الخارجية لمناقشة المشكلة السورية في لبنان ومعالجتها إنما يقدّم فرصتَين: واحدة للنظام السوري نفسه وثانية للحلّ ـ التسوية في لبنان.
هي فرصةٌ للنظام السوري في حال وافق على إنعقاد هذا الاجتماع الوزاري العربي. ذلك أنه "إذا" وافق يكون قطع شوطاً نحو الاعتراف بالمشكلة العميقة في العلاقات مع لبنان وبدوره في الأزمة التي يعيشها لبنان. ولما كان الموقف العربي من ضمن توازن القوى الموصوف آنفاً، يعتبر انّ الحل في لبنان يبدأ بانسحاب النظام السوري من الأزمة، وأن "المصالحة" العربية ـ السورية تبدأ بالحل في لبنان، فإن لنظام الأسد مصلحةً في التجاوب مع الدعوة اللبنانية.

الاجتماع الوزاري وبدائله

غير أنه من الواضح بالنسبة الى الرئيس السنيورة أن الأرجح هو ألاّ ينعقد هكذا اجتماع، في ظل إصرار النظام في سوريا على التأزيم في لبنان، من منطلق إستمراره في رفض الإعتراف بلبنان كياناً ودولةً مستقلّين ونظاماً ديموقراطياً، وإستمراره في التطلّع الى الهيمنة على هذا البلد.
لذلك يعرف السنيورة جيداً انّ انعقاد إجتماع وزاري عربي لا يمكنُ أن يكون هدفاً بذاته، بمعنى أنّ أمام القادة العرب بدائل أخرى من هذا الإجتماع. يعرفُ السنيورة ذلك جيداً طالما انّ الدول العربية الرئيسية تعتبر انّ قضية لبنان قضية عربية وطالما انّ الأكثرية في لبنان تعتبر القضية لبنانية ـ عربية. ولذلك فهو يعرف انّ البديل من إجتماع وزاري عربي تشارك سوريا فيه بهدف مصالحة لبنانية ـ سورية على الأسس التي حدّدها رئيس الحكومة وبهدف تأمين المدخل الفعلي الى تسوية تاريخية في لبنان، هو قمّة عربية موسّعة أو مصغّرة دعماً لإستقلال لبنان وحريته ومساره الدستوري. وقد تكون صيغٌ عربية أخرى متعدّدة.
المهمّ انّ النظام السوري، بالدعوة اللبنانية وبالموقف العربي، وفي ظلّ توازن القوى العربي، أمام فرصة يمكن القول انّها الأخيرة، بين أن يعود الى الصفّ العربي من المدخل اللبناني ويحمي نفسه، أو أن يواجه مزيداً من العزلة عربياً ودولياً.. من المدخل اللبناني أيضاً.

فرصةُ تنفيذ المبادرة بتفسيرها العربي لا السوري

في الإطار نفسه، يمكن التحدّث عن مهمّة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الذي لم يحدّد موعداً لإستئنافها. على انّ ما ينبغي إدراكهُ هو انّ المبادرة العربية ببنودها الثلاثة صارت "جزئية" بالقياس الى ما يطلبه لبنان بأكثريته الحاسمة وما يوافق عليه العرب بأكثريتهم على أساس توازن القوى المحدّد آنفاً.
قد يكون موسى منتظراً جولة الرئيس السنيورة وما ستسفر عنه ليعود الى بيروت وربما دمشق أيضاً. بيد انّه يُفترض انّ الأمين العام يعرفُ انّ المبادرة التي كلّف السعي الى تنفيذها باتت مرتبطةً بالمسألة المركزية اللبنانية ـ السورية، أو على الأقل أنّ فصلها عن تلك المسألة المركزية يعني تنفيذها وفقاً لنصّها وروحها، وللتفسير الذي أعطاه موسى بنفسه سابقاً مدعوماً من توازن القوى العربي.
بكلام آخر، ثمّة فرصةٌ يمكن القول أيضاً انّها الأخيرة لتنفيذ المبادرة على أساس تفسيرها العربي ـ غير السوري ـ فإمّا أن تطبّق البنود الثلاثة وفقاً لهذا التفسير أو أن يُبدأ فوراً بإنتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً للجمهورية، وغير ذلك يعني الإمعان في التعطيل. بكلام آخر، انّ "فصل" المبادرة عن المسألة اللبنانية ـ السورية الإجمالية لا يمكن أن يحصل إلا على الأساس المشار إليه آنفاً، من أجل أن يعود التنفيذ لـ"يتّصل" بالمشكلة التي لا غنى عن بحثها ومعالجتها.
إذاً، في إطار التوازن العربي القائم والتوازن اللبناني المعروف ثمّة فرصة أخيرة أمام النظام السوري و"معارضته" لتنفيذ المبادرة العربية، لكنّها فرصةٌ أخيرة أمام نظام الأسد كي يمتثل لتوازن القوى العربي.. وإلا فانّ البدائل عربياً ولبنانياً سترى طريقها الى التنفيذ.

ليست هناك تعليقات: